الشيخ محمد الصادقي الطهراني
127
تاريخ الفكر والحضارة
لذلك لم تستطع ولن تستطيع أن تؤمِّن التوازن بين الناحية الفكرية والناحية الخُلقية فحدث الاختلال والاضطراب . أجل ، وانها رغم تقدمها في الناحية المادية تأخرت وأخرت البشرية عن قيمتها الروحية ، فأدى ذلك إلى اضطراب شديد في حياة الإنسان في غاية الخطورة ، وجعلت سيرها في تطورها متجها إلى أهداف سيئة ضارة ترمي بالإنسان إلى شفاجرف هارمنهار ، إلى البوار والدمار روحيا ، وحتى من حيث الكيان الحيواني ، إذ ان الصنعة استعملت في حروب لا إنسانية تهدد البشرية بالفناء العام ، واستعملت في تحريك الشهوات جنسية وسواها ، دون ان تدبر لها حدا تقف دونه . . . وهكذا استحقت هذه الحضارة ان يقال في شأنها أنها أشر وأخطر من الرجعية في شؤون الحياة المادية القرون الوسطائية بكثير الا أن تدرك نفسها بوحي السماء ، وتتدارك أخطائها قبل أن تقضي بالإنسانية نحبها . . . والا ان تؤمن بالحضارة الاسلامية التي تبنّتها وغذتها من الناحية المادية ، لأنها الآن ابن شريكين : وحي الأرض ووحي السماء ، ولأنها كذلك تطغى ، فلابد لها أن تتبنى أساسا من جديد وترجع إلى معنوية والدها حتى ترث خيراته وتصلح حياتها . . حضارتان وليست واحدة : ان الاسلام يدفع إلى التقدم في كلى جزئي الكائن الإنساني : روحية ومادية ، مستخدما الناحية المادية أيضا في ترقية الروح ، في حين أن الحضارة الحديثة لا تعتبر الإنسان ، الاملكا عليه أن يترك الجوانب المادية ، فبالرغم من تفريط الأولى وافراط الثانية ، ان الاسلام يأخذ طريقة وسطى هي المثلى ، بين الملك والحيوان ، وإذا استخدم الإنسان حيونته ذريعة في سبيل الكمال الإنساني أصبح أرقى من الملائكة أيضا . ان الاسلام في صيغة مختصرة هو فوق الزمان والمكان لا يخص زمانا محدودا ، انه كالشمس يجري بنوره الخالد على قلوب وأفكار المكلفين أنى كانوا وأينما وكيفما ، وذلك رغم من يحصرونه في زمن مضى أو في العرب ،